رسالة من فيسبوكي مغربي إلى الإسكيمو

محمد أمنصور

أيها الإسكيميون، أيتها الإسكيميات،

أعلم أنكم ستستغربون لهذه الرسالة التي تصلكم من إنسان لا تعرفونه، يقيم في بلد لم تسمعوا عنه قبل اليوم. وأعلم أنكم تقيمون في الطرف الآخر، الأقصى من الكرة الأرضية، وأعلم أن جميع حكوماتنا هنا في هذه الرقعة الجغرافية التي لا تتخيلون وجودها لم يخطر لها على البال زيارة بلدكم، ولا سن سياسات تعاون اقتصادي أو سياحي معكم. ومع ذلك، أريدكم أن تعلموا أنني موجود، وأن لدي أدلة على ذلك. فالسحرة الذين اخترعوا الفيسبوك، أنهوا حكاية العظماء في مقابل الحقيرين. قبل الفيسبوك، في هذه الرقعة الجغرافية البعيدة عنكم، كانت لدينا تلفزة واحدة، بالأسود والأبيض، تشرع في العمل بعد السادسة مساء، يقيم فيها عامل صاحب الجلالة، وتأتمر بأوامر الداخلية، بعد الفيسبوك صار لكل واحد منا تلفزته، يواكب بها أنشطته ويكون هو وحده فيها الملك.

قبل الفيسبوك، كنت كلما نظرت إلى وجهي في المرآة يزعجني شيء ما فيه، لم أكن أحبه. بعد الفيسبوك، صرت مولّها به، ألتقط له الصور صباحا ومساء، في كل الأوضاع والحالات وأعلنه على الملأ. أقول للجميع، أنظروا كم أنا جميل، عند الاستيقاظ من النوم وبعد الماكياج. قبل الفيسبوك، كنت أحسد آلان دولون ومايكل جاكسون و ماضونا. بعد الفيسيبوك تحررت من عُقدي، لا أنتظر الموهبة أو الجدارة أو الصحافة حتى تسألني أو تلتقط لي صورا، صار بإمكاني بدون وسامة آلان ولا بياض مايكل ولا جسد ماضونا أن أملأ الدنيا ضجيجا، وأعطي تصريحات حاسمة في مصير الأرض، أفرح و"أتقلق على الأمة" كما أشاء. أخبر الجميع، بما في ذلك أنتم يا شعب الإسكيمو، متى سأدخل أو أخرج من الحمام، متى سآكل زعلوك وأرفق أكلي له بصور إثباتية، أما إن تفوق إبني على ابن الجار في الامتحان، فسـ"أفقصه" عن طريق تلفزتي بالنقطة والفاصلة حتى يتطرطق له القلب.

قبل الفيسبوك، كنت مصابا بداء السطريس. اليوم شفيت تماما، لأنه بمجرد صعود السطريس في الدم أصبه في تلفزيوني الخاص. أفقص أمة محمد بنرجسيتي وعدوانيتي، لا. ليست أمة محمد وحدها؛ بل أمة الإسكيمو كذلك؛ فوجودنا هنا لم يعد ممكنا ألاّ يعنيهم. انتهت خرافة الجغرافيا، وبلهلا يكزيه ليهم، هم مجبرون على متابعة أخبارنا، وأخباري أنا بالذات.

ألا تعلمون أن كوجيتو المرحوم ديكارت قد انتهت صلاحيته، وأننا هنا اخترعنا كوجيتو جديد يقول: أنا فيسبوكي إذن أنا موجود! ليس فقط كمتفرج على حماقات دنيا باطما؛ بل لأني أنا وهي فيفتي فيفتي، حتى دون حنجرة أو قدم ميسي.. أضف إليهما سبينوزا. ومن يكون سبينوزا هذا؟ هل كان له في حياته عدد "لي فان" الذين كايلايكيوا ويجمجموا ليا ويبارطاجيوا معايا؟ أنا أحسن من سبينوزا. وها أنتم ترون أنني بفضل تلفزتي الخاصة لا أحتاج إلى موهبة أو سيرة علمية أو فنية حتى أنتقم من كل الذين احتكروا النجومية عبر التاريخ بدعوى "شي لعبة" عندهم هم وحدهم. فأنا منذ اكتشفت وجهي بالسيلفي لن أترك "كمارة أخرى" تمر إلا على جثتي. وحدي أصنع الخبر. وحدي أصنع الحدث. وحدي نضوي لبلاد، ومن لم أعجبه يطّرطق، فأنا موجود؛ وحق الله إلى موجووووووووووووود ؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.