قضايا وإشكالات التأطير القانوني لمنظومة التربية والتكوين

مصطفى شـﯕري

هواجس التقنين الملزم وإرادة التحكم الضبطي

تقديم:

وجه الأمين العام للحكومة يوم 26 دجنبر 2017 إلى السادة الوزراء مشروع قانون إطار رقم 51.17 يتعلق بمنظومة التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي قصد عرضه على المجلس الحكومي1. وهو المشروع الذي صاغته لجنة تقنية إثر صدور منشور لرئيس الحكومة بالأمر يوم 21 يناير 2016، وهو ما سيفرز وثيقة أولية سيطلب بصددها رئيس الحكومة رأي المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يوم 27 يوليوز من سنة 2016، وهو ما سيقدمه المجلس في نونبر من السنة ذاتها.2

ستحاول هذه الدراسة أن تقف عند السياقات التي حكمت صدور هذا المشروع، وأن تورد المرجعيات التي استند إليها، وستجعل من النظر في البنية الهيكلية العامة التي انتظمت مضامينه منطلقا لرصد الأهداف المتوخاة منه ومجموع الإجراءات التنفيذية المأمول اعتمادها تنزيلا وتفعيلا. كل هذا من أجل استجلاء جملة القضايا والإشكالات التي أثارها ويثيرها هذا التوجه العام لدى القائمين على الشأن التعليمي في المغرب نحو تقنين المنظومة التربوية وآفاق التنزيل المنشود على سيرورة الوضع العام لإصلاح التعليم على المغرب في المستويات المرتبطة بالتمويل والقضية اللغوية والأبعاد القيمية.

أولا-السياقات والمرجعيات: وهاجس تنفيذ التعليمات

يحدد مشروع قانون الإطار الاعتبارات العامة التي حكمت إنجازه في سياق إصلاح التعليم بما هو أولوية وطنية، ويؤسس لنفسه مرجعيات يستند إليها وعليها تبرز بالأساس في ستة محددات مؤطرة هي3:

– الرؤية الاستراتيجية التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي4؛

– التوجيهات الملكية في خطبتي ثورة الملك والشعب لسنة 2012 و2013، وخطاب افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان لسنة 2014، وخطاب العرش لسنة 2015؛

– الاتفاقات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب؛

– التطورات المعرفية والعلمية التي يعرفها العالم في مجال حقوق الإنسان وميدان البحث العلمي والتكنولوجي؛

– مضامين الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

تكرر هذه الوثيقة – ولم يكن بوسعها إلا أن تفعل ذلك – المنطلقات المرجعية ذاتها التي حكمت بناء الرؤية الاستراتيجية ممركزة كونها تصدر في سياقات التعليمات الملكية، وما نتج عنها من بلورة وثائق عن طريق مؤسسة معينة اجتهدت في تنفيذ المرسوم لها توجها نحو فرض اختيارات الرؤية المنجزة في إطار بنية تقنينية تأخذ طابع قانون ملزم. وهو الشيء الذي يجعلها لا تخرج عن الكم الهائل من ركام الوثائق التي عرفها تاريخ الإصلاحات المتتالية في مجال التعليم بالمغرب التي كانت تخرج دوما من جهة واحدة تعكس تحكم القرار السياسي في القرار التربوي.

ثانيا: البنية الهيكلية: وهاجس التقنين الملزم

تنتظم القضايا المعروضة في مشروع قانون الإطار هذا في بنية هيكلية تضم ديباجة عامة وعشرة أبواب تعالج عبر موادها البالغة سبعا وخمسين (57 مادة) مواضيع تتناول المبادئ الناظمة للمنظومة التربوية ومكوناتها الهيكلية وطرائق الولوج، وما يتعلق بالبرامج والمناهج والتكوينات، وما يرتبط بالموارد البشرية إلى جانب قضايا الحكامة والتمويل والتقييم. وتختم بالتطرق على مجموعة من الاحكام الانتقالية المرحلية.

وتتأطر هذه المواضيع وتلكم القضايا بدواع تقنينية تجعل من هذا المشروع إطارا للتعاقد الملزم، وبدوافع إصلاحية تروم تجاوز اختلالات المنظومة التربوية المغربية قصد أداء وظائفها المطلوبة، وبمطالب تنموية تبوئ التعليم والتربوية مكانة الصدارة في سلم أولويات التنمية المستدامة للرأسمال البشري. كما تتأطر هذه المضامين المعروضة في ثنايا هذا المشروع بالركائز الكبرى البانية لمقاصد الرؤية الاستراتيجية ممثلة في الخيارات الاستراتيجية الثلاث: الإنصاف وتكافؤ الفرص، الجودة للجميع، الارتقاء بالفرد والمجتمع، وكذا في رافعاتها المؤسسة المتعددة.

ثالثا-الأهداف المسطرة والإجراءات المصاحبة: وهاجس التحكم الضبطي

يقصد مشروع القانون الإطار وضع إطار يرسم ويحدد الأهداف العامة لنشاط الدولة في ميدان التربية والتعليم والتكوين والبحث العلمي عبر تحقيق أهداف كبرى ثلاث تؤطرها المبادئ الثلاثة الناظمة للرؤية الاستراتيجية إنصافا وجودة وارتقاء بالفرد والمجتمع، هي:

– ضبط الاختيارات السياسية والاستراتيجية للدولة في مجال التعليم؛

– استدامة العملية الإصلاحية؛

– بناء تعاقد وطني ملزم لجميع المتدخلين.

من أجل ذلك دعا المجلس الأعلى الوزارة الوصية إلى إعمال جملة من الإجراءات التنفيذية في مدد زمنية مضبوطة نجملها فيما يأتي:

– فتح التعليم الأولي في وجه جميع الأطفال المتراوحة أعمارهم ما بين 4 و6 سنوات مع دمج هذا التعليم وجعله جزءا من التعليم الابتدائي في أجل ثلاث سنوات حدا أقصى (ص 11)؛

– ربط التعليم الابتدائي بالتعليم الإعدادي في سلك إلزامي (ص 11)؛

– إعادة هيكلة التعليم العالي من خلال تجميع مختلف مكوناته وفق مخطط متعدد السنوات (11)؛

– تحديد مهلة 6 سنوات للتعليم الخصوصي لتوفير حاجياته من الأطر التربوية والإدارة (ص 12)؛

– مراجعة الرسوم المادية المتعلقة بالتسجيل والدراسة والتأمين وباقي الخدمات ذات الصلة في التعليم الخصوصي عبر نص تنظيمي (ص 13)؛

– إحداث مجلس وطني للبحث العلمي يقوم بمهمتي تتبع استراتيجية البحث العلمي والتقني والتنسيق بين مختلف المتدخلين في المجال(ص13)؛

– تحديد عبر تشريعات منظمة توجهات السياسة العمومية الخاصة بكل مكون من مكونات المنظومة (ص 13)؛

– مطالبة التعليم الخاص بالتقيد بمبادئ المرفق العمومي وبالإسهام في توفير التعليم لأبناء الأسر المعوزة والأشخاص في وضعية إعاقة (ص 12)؛

– مراجعة نظام الترخيص والاعتماد للمدراس الخصوصية وتمتيعها بتحفيزات ضريبية قصد تمكينها من الإسهام في تعميم التعليم الإلزامي ومحو الأمية (ص 12)؛

– إحداث مرصد الملاءمة بين المهن والتكوينات الجديدة وحاجات سوق الشغل (ص 14)؛

– إلزامية التعليم بالنسبة للأطفال المتراوحة سنهم بين 4 و15 سنة، والتزام الدولة والأسرة و الراعي قانونا للطفل بضمان هذه الإلزامية، مع تعبئة الدولة لكل ما يلزم في أجل 6 سنوات لتحقيق هذا التعليم الإلزامي(ص 15)؛

– وضع نظام تحفيزي تشجيعي للعاملين من رجال التعليم والأطر الإدارية في العالم القروي (ص 15)؛

– تشجيع تمدرس الفتيات في البوادي من خلال وضع برامج محلية (ص 15)؛

– تفعيل دور جمعيات المجتمع المدني التربوية وبالخصوص جمعيات آباء وأولياء التلاميذ من أجل ضمان مواظبة المتعلمين على الدراسة (ص 16)؛

– وضع نظام التمدرس الاستدراكي لفائدة جميع الأطفال المنقطعين عن الدراسة لأي سبب كان (ص 16)؛

– التمكين من الاستفادة من خدمات الإيواء والطعام والتغطية الصحية للمتعلمين في وضعيات هشة، و من نظام المنح الدراسية للمستحقين ومن القروض لفائدة الراغبين في متبعة الدراسة العليا(ص 16)؛

– إنجاز برنامج وطني لتأهيل المدارس العمومية في أجل أقصاه3 سنوات (ص 17)؛

– العمل على سد الخصاص الحاصل في مؤسسات التربية والتكوين في مدة أقصاها 6 سنوات (ص 17)؛

– إقامة مراكز للدعم النفس والوساطة داخل المؤسسات لضمان المواكبة السيكولوجية داخل أجل 3 سنوات(ص 17)؛

– عمل الحكومة بشراكة مع الهيئات الأخرى المختصة خلال 6 سنوات على القضاء على الأمية ومسبباتها ومظاهرها(ص 18)؛

– وضع الحكومة لمخطط وطني متكامل لإدماج من هم في وضعية إعاقة أو في وضعية خاصة في المنظومة التعليمية داخل أجل لا يتجاوز 3 سنوات(ص 19)؛

– وضع السلطة الحكومية المكلفة بالتعليم "ميثاق المتعلم" الذي يحدد الحقوق والواجبات (ص 19)؛

– إحداث لجنة دائمة لتجديد وملائمة المناهج والبرامج والتكوينات التربوية استنادا إلى نظام للتقييم والاعتماد والمصادقة تضعه هذه اللجنة (ص 20)؛

– تمكين المتعلمين من اللغات الأجنبية في سنة مبكرة خلال أجل أقصاه 6 سنوات من دخول هذا القانون حيز التنفيذ (ص 22)؛

– اعتماد اللغة العربية لغة أساسية للتدريس وتطوير اللغة الأمازيغية في المدرسة (ص 22)؛

– إرساء تعددية لغوية تجعل المتعلم الحاصل على الباكالوريا متمكنا من اللغة العربية قادرا على التواصل بالأمازيغية ومتقنا للغتين أجنبيتين على الأقل (ص 22)؛

– التزام المدارس الأجنبية بالمغرب بتدريس اللغة العربية لكل الأطفال المغاربة الذين يدرسون لديها (ص 22)؛

– إدراج التكوين في الانجليزية في تخصصات وشعب التكوين المهني (ص 23)؛

– إنجاز مراجعة شاملة لنظام التوجيه المدرسي والمهني والإرشاد الجامعي داخل مدة لا تتعدى 6 سنوات (ص 24)؛

– إنجاز مراجعة شاملة لنظام التقييم والامتحانات والإشهاد الكائن في اجل محدد ب 3 سنوات (ص 25)؛

– وضع "ميثاق تعاقدي لأخلاقيات مهن التربية والتعليم والتكوين والبحث (ص 26)؛

– وضع إطار تعاقدي استراتيجي لإسهام التعليم الخصوصي في تطوير المنظومة (ص 30)؛

– إحداث صندوق خاص (بموجب قانون للمالية) يخصص لدعم عمليات تعميم التعليم الالزامي وتحسين جودته يتم تمويله من طرف الجماعات والمؤسسات العمومية ومساهمة القطاع الخاص(ص31)؛

– إقرار رسوم للتسجيل في التعليم العالي والتعليم الثانوي التأهيلي (ص 31)؛

– إحداث نظام للحسابات الوطنية في مجال التربية والتعليم والتكوين (ص 32)؛

– إحداث لجنة وطنية لتتبع ومواكبة الإصلاح عبر نص تنظيمي (ص 35)؛

– وضع دلائل مرجعية متعددة بمعايير محددة يسند للمجلس الأعلى مهمة إبداء الرأي فيها قبل اعتمادها.

لقد شملت هذه الإجراءات مناح متعددة من جوانب المنظومة التربوية المغربية تشمل مجال ضبط السياسات العمومية الموجهة للعمل الحكومي والفاعل التربوي، وكذا مستويات تمس البنيات الهيكلية المؤسسة وطرائق ولوجها وسبل التجسير بينها، كما تمس الأطر المرجعية التي سوف تحكم العلاقات التربوية، والشروط النظامية لولوج المهنة، والإجراءات المنظمة للحكامة وللتمويل وللقضية اللغوية. وغير ذلك كثير. بيد أن المتابع للشأن التعليمي سيلحظ أن أهم الجوانب التي أثارت ردود فعل مختلفة لم ترق لتكون نقاشا مجتمعيا هي ما تطرق إليه مشروع القانون هذا على مستوى مادته الخامسة والأربعين (45) والتي تقر بإلغاء مجانية التعليم في المستويات الجامعية والثانوية التأهيلية.

وستحاول الفقرات أدناه أن تعرض لجملة القضايا والإشكالات التي يطرحها هذا المشروع عبر معالجة أربع قضايا عامة نعرضها كالتالي:

رابعا-قضايا وإشكالات: وهاجس الاستجابة للإملاءت الأجنبية:

القضية اللغوية:

يتم الانطلاق في هذا المشروع من مستجدات الرؤية الاستراتيجية التي أقرت اعتماد "التعددية والتناوب اللغوي" ليتم تعريف التناوب اللغوي باعتباره "مقاربة بيداغوجية" و"اختيارا تربويا" وآلية تستعمل في مجال التعليم المزدوج أو المتعدد اللغات. وقد وضع لهذا التناوب اللغوي هدف يرمي إلى تنويع لغات التدريس من خلال برمجة بعض المضامين الدراسية أو بعضا من المجزوءات في بعض المواد باللغات الأجنبية، كل هذا من أجل غاية تتطلع إلى "تحسين التحصيل الدراسي" فيها.5

وبغض النظر عن إشكالات المقاربة البيداغوجية والاختيارات التربوية نرى أن القضية اللغوية في أي منظومة تربوية اختيار سياسي أولا يعكس الوضع الاعتباري للغة ما ضمن صدارة الاختيارات المجتمعية الكبرى بالضرورة.

إن الانتقال من الازدواجية اللغوية إلى التعدد اللغوي من دون تقييم علمي فيه استمرار واضح في الارتجال في مقاربة مدخل رئيس من مداخل النهضة التعليمية التربوية الحقيقية والذي هو المدخل اللغوي عبر التعامل الذي يتم فيه إما بمنهج الترضية لتيارات ما، أو بنهج الخضوع لإملاءات التيار الفرنكفوني المتنفذ تحت دعاوى الانفتاح والتواصل التي تتحول بفعل الضياع اللغوي الناجم أساسا عن ضياع وضلال الاختيار الموائم للهوية المجتمعية إلى هواجس الرغبة في التنصل من سلطة إكليشيهات التهم الإعلامية الضاغطة بالإرهاب والتطرف مسايرة للتيار العولمي وانخراطا في حربه المزعومة على الكراهية والعنف.

واقع الحال يكشف أن التغني بالتعدد اللغوي، وباللغات الأكثر تداولا إنما يقتصر على تقوية الوضع العام للغة الفرنسية في المنظومة المجتمعية عموما والتربوية خصوصا، يدل على ذلك أن التوسيع العام للمسالك الدولية إنما انصب على الاختيارات الفرنسية خصوصا بعد انسداد أفق الاختيار الإنجليزي لما لم يجد خريجوه موضع قدم داخل التعليم العالي. واقع الحال أيضا يكشف أن القول إن التدريس سيشمل بعض المضامين أو بعضا المجزوءات فقط باللغات الأجنبية غير دقيق في الحقيقة بحكم أنه تم إقرار تدريس مواد كلها جملة وتفصيلا وباللغة الفرنسية تحديدا وتم فرض ذلك في مستويات مختلفة بدأت تشمل حتى فتح مسلك دولي في الثانوي الإعدادي. طبعا لن نتحدث عن ظروف التنزيل من حيث توفير الشروط التربوية والبيداغوجية وتوفير الأطر والكتب والبرامج، وهي عناصر بدونها يكون الحديث عن التنويع اللغوي او التناوب مجرد شعارات للاستهلاك السياسوي وبوابة لتسول المعونات الدولية والمنح المالية.

ثم إن الرهان على التعدد اللغوي سبيلا لتطوير التحصيل وتحسينه على ما فيه من غمز ولمز للغة العربية من حيث إلقاء اللائمة عليها من طرف خفي أو جلي بسبب الوضع المتردي الكارثي للتعلمات المختلفة، هذا الرهان يغفل أيضا مسؤولية التعقد الكبير للوضع التعليمي بالمغرب نتيجة شروط بنيوية عميقة ربما لا تكون الأبعاد التربوية الصرفة فيها ذات تأثير مهم جدا بحكم أنه لا تعوز منظومتنا التربوية المقاربات والتنظيرات والنصوص والمشاريع والأطروحات إنما يعوز منظومتنا هذه المشروع المجتمعي الملائم والإرادة السياسية البانية.

في الباب المرتبط بمبادئ المنظومة وأهدافها ووظائفها خاصة في المادة الثالثة، سيحدد لهذا الاختيار اللغوي هدف تمكين المتعلمين من إتقان اللغة العربية، ثم الأمازيغية واللغات الأكثر تداولا. وسيتم الحديث عن هندسة لغوية لغرض تحقيق كفايات تواصلية واستراتيجية ذاتية مرتبطة بالانفتاح على مختلف الثقافات وبتحقيق النجاح الدراسي المطلوب.

تقدم لنا المادة 28 من هذا المشروع معنى الهندسة اللغوية في تحديدها لعناصر السياسة اللغوية المنتهجة في مختلف مستويات مكونات المنظومة التربوية والتعليمية والتكوينية والبحثية العلمية، وذلك عبر الاستناد على البعد الوظيفي للغة في مجالات أربع:6

– المجال الهوياتي الذي يقصد ترسيخ الهوية الوطنية؛

– المجال الكفائي ويستهدف إكساب المعارف والكفايات المختلفة؛

– مجال الانفتاح على المحيط الوطني والكوني؛

– مجال الاندماج الاقتصادي والقيمي والسوسيوثقافي.

من أجل إقرار اللغة العربية لغة أساسية للتدريس مع تطوير اللغة الأمازيغية، وتمكين المتعلم المغربي من إتقانهما باعتبارها اللغتين الرسميتين في سن مبكرة، والتوجه نحو تعدد لغوي يتم به بنوع من التدرج والتوازن اعتماد تدريس مضامين ومجزوءات بعض المواد بلغة أو بلغات أجنبية.

ستقدم المادة 29 من هذا المشروع جملة من الإجراءات التنفيذية التي تم التأكيد على مسؤولية الحكومة على اعتمادها من خلال مجموعة من المبادئ تشمل الجوانب الأربع التالية:7

الجانب البيداغوجي على مستويي المناهج والبرامج مراجعة، وعلى مستوى المقاربات والآليات الديداكتيكية تجديدا، سواء تعلق الأمر بتدريس العربية أم باللغات الأجنبية الأخرى؛

وضع الأمازيغية تهيئة على المستوى اللسني والبيداغوجي، وتعميما على كل مستويات التعليم المدرسي؛

مستوى التعليم الجامعي العالي على مستوى الاختيارات اللغوية تنويعا في المسالك والتخصصات، وعلى مستوى إيجاد مسارات للتكوين بالعربية والفرنسية والإنجليزية والإسبانية حسب المتاح والممكن؛

جانب التكوين بفتح استعمال اللغة الإنجليزية في التكوين المهني والاعتناء بإكساب الكفايات اللغوية المتعددة لأطر التدريس والتكوين.

على الرغم مما قد يبدو في المشروع وعيا ببعد "الهوية" في اللغة يأبى المشرع التربوي إلا تعويم القضية اللغوية في أنساق مختلفة المشارب والخلفيات الفلسفية، وتزيد الإجراءات المراد اعتماداها والمعتمدة أصلا في تداخل وتمازج هذا البعد وتشاكس جدلية المحلي والكوني فيه من هذا التعويم نتيجة عدم القدرة أو عدم الرغبة في الحسم في الاختيار اللغوي والتمييز الوظيفي بين لغة التدريس واللغات المدرسة نتيجة الارتهان لأجندة السياسي فيها أقوى تسلطا على العناصر التربوية.

سيسجل الباحث الخبط العشواء من الناحية العلمية في السعي لإلزام المتعلم وهو في سن مبكرة بحشو دماغه بلغات مختلفة البنى اللسانية والبصرية والتركيبية، بل والمختلفة وظائف مجتمعية حضارية، والمتفاوتة وضعا اعتباريا من الناحية العائد العلمي والاقتصادي والتربوي. ألا تراهن الرؤية الاستراتيجية على تعليم الطفل المغربي لغات متعددة منذ السنة الأولى من الابتدائي؟!!

كما سيلحظ الباحث الخلط والتناقض بين الحديث عن اللغة العربية لغة أساسية للتدريس (ص22) وبين الحديث عن التنويع اللغوي، ودع عنك الواقع الذي لا يرى فيه إلا تسابقا محموما نحو فرنسة المواد العلمية في المستوى الثانوي الإعدادي والتأهيلي على نحو متسرع ومرتجل ليبقى الحديث عن اللغة العربية وتطويرها من باب الزينة المؤثثة التي لا بد منها.

قضية التمويل والمجانية:

لقد خصص مشروع قانون الإطار هذا تمويل التعليم الباب الثامن بمواد تسعة ( من المادة 42 إلى المادة 50)، وقدمها من منطلق كون الاستثمار في مجال التربية والتعليم هو ذو طابع إنتاجي للرأسمال البشري، وذو طابع تنموي مستدام، ويتم الاستناد في ذلك على مبدأ "التضامن الوطني" في تحمل التكاليف العمومية8.

يعلن المشروع موضوع دراستنا في ما يتعلق بقضية تمويل الدولة القيام باعتماد جملة من القرارات نوردها، ونسجل بصددها جملة من الملاحظات:

يؤكد هذا المشروع على مسؤولية الدولة في مواصلة الجهد في تعبئة الموارد وتوفير الوسائل الضرورية لتمويل التعليم، وهي مسؤولية ومجهودات لا نرى لها معنى في ظل الإجراءات التنزيلية العامة التي فرضت على القطاع التربوي إلا توجها حثيثا نحو الالتجاء للدول المانحة، و نحو النقص من ميزانية الإنفاق المالي على مجال التعليم، واتجاها نحو التخلص من ما تعتبره الدولة إنفاقا على قطاع غير منتج عبر الحديث عن تنويع طرق التوظيف والتشغيل لمختلف فئات المهنية وهو الذي لم يكن يعني سوى التخلص من التوظيف وسن التعاقد وضرب صناديق التقاعد، وفتح المجال للقطاع الخاص وهي إجراءات تنذر بخوصصة المجال والتخلص من قطاع اجتماعي كان مصدر إزعاج كبير للحاكمين9؛

تتم الإشارة إلى تنويع مصادر التمويل وهو تعبير ملطف تكنية عن التملص من واجب الدولة في الإنفاق واستهداف لجيوب الآخرين، خاصة لما يتم الاستناد على مفهوم التضامن الوطني التي يتم الالتجاء إليه عادة في حالة الحروب والزلازل والكوارث وعند المصلحة الوطنية العليا؛

يورد المشروع القول بإسهام الأسر في تحمل تكاليف هذا التضامن الوطني مع احتراز مربوط بقدرتها واستطاعتها (من سيقدر هذه الاستطاعة وما المعايير المعتمدة في ذلك؟)، ويخص في موضع آخر بالذكر الأسر الميسورة. وهنا إشكال كبير حتى لا نقول وهما كبيرا؛ إذ إن الكل يعلم أن الأسر الميسورة لا تلحق أبناءها بالتعليم العمومي بحيث تمكنها قدراتها المادية وشبكاتها العلائقية من تدريسهم في التعليم الخصوصي الراقي أو خارج المغرب أو في مدارس البعثات الأجنبية. فلا يبقى إذن من مفهوم الأسر إلا الفقيرة المعدمة أصلا أو ذات الدخل المحدود أو ذات الدخل المتوسط من فئة الطبقة المتوسطة (طبعا إن جاز الحديث عن هذا المفهوم في بلد لم تعد فيه سوى طبقات الفقر المقذع وطبقة الغنى الفاحش). وهذه توجه أبناءها إلى التعليم العمومي ويستنزف جيوب بعضها متطلبات التدريس الخصوصي في ظل غياب تام لمعايير المحاسبة والشفافية والمراقبة التربوية. وعليه، يكون المقصود بإسهام الأسر الطبقات المتعسرة بفعل ضغط الظرفية الاقتصادية والاجتماعية، وهو تعسر يعترف به رسميا من طرف المجلس الأعلى هذا المتصدي لفرض هذا المشروع، فلقد أظهرت إحصائياته التي قدمها في تقييمه لمكتسبات تلاميذ الجذع المشترك الصادر في فبراير سنة 2017 أن 98 % من التلاميذ ينحدرون من أسر فقيرة أو من الطبقة المتوسطة، وأن 2% فقط ينحدرون من أسر ميسورة، وأن ربع الذين شملتهم الدراسة يسكنون سكنا غير لائق، وأن 17% منهم فقط لديهم منحة، وأن 36% يؤدون ماديا من أجل الاستفادة من الدروس الخصوصية المؤدى عنها. وهي معطيات تبرز أن هؤلاء لا قدرة لهم على دفع تكاليف جديدة من أجل تعليم أبنائهم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأسر المغربية تؤدي نفقات متعددة من أجل تعليم أبنائها تشمل مجالات السكن والكتب والملابس والدروس الخصوصية والمراجع العلمية مما يتعين معه التأكيد أن القول بالمجانية الكاملة للتعليم في المغرب هو قول غير دقيق.10

يعرض المشروع إسهام الجماعات الترابية أيضا في المجهود التمويلي للتعليم متناسيا أن هذه معظمها يحيى ثق المشاكل المحلية وضعف الميزانية وسيطرة البيروقراطية وغياب الحكامة الجيدة، كما يعرض إسهام القطاع الخاص أيضا في هذا التمويل بل ويدعو هذا القطاع إلى الإسهام في توفير التربية والتعليم لأبناء الأسر المعوزة والأشخاص في وضعية صعبة أو وضعية إعاقة وهذا عندي من قبيل التزيد إذ كيف يمكن إلزام قطاع استثماري بالأساس( في ظل الظرفية التي يوجد فيها الآن تسيبا وانعدام شفافية) بتقديم خدمات مجانية رغم الوعد بامتيازات جبائية تحفيزية11؛

يحترز المشروع، أيضا بعد احترازه بمدى قدرة واستطاعة الأسر، وهو يقرر إلغاء مجانية التعليم بضرورة توسيع شبكة الدعم الاجتماعي إلى نهاية التعليم الإلزامي متحدثا عن تعزيز برامج الدعم المادي والاجتماعي للأسر المعوزة12. هذا رغم علم الكل بضعف هذه البرامج وهزالة ماليتها ومحدودية أثرها الواقعي الفعلي على استدامة التعلم خاصة في العالم القروي. يكفينا هنا الرجوع إلى ما اعترف به المجلس الأعلى نفسه في تقريره عن تطبيق الميثاق الوطني للتربية والتكوين من كون آليات الدعم الاجتماعي المقررة في الميثاق لم تحقق المرجو منها، مبرزا هزالة الإمكانات المرصودة وتأثيرها على الخدمات المقدمة إطعاما وإيواء وتجهيزا13، و إذا كان هذا الدعم يقصره المشروع في خدماته إيواء وتغطية صحية على ذوي الاحتياجات ولذوي الوضعيات الهشة فإن أسئلة كبيرة تثار حول معايير الشفافية في تحديد هذه الفئات أمام تجارب ماثلة في استغلال أنظمة تغطية صحية واستفادة طبقات غنية وأمام سيطرة البيروقراطية وغياب الحاكمة والشفافية وضعف منظومة التغطية الاجتماعية والتوجه نحو التخلص من عبئ دعم الفئات الفقيرة عبر إلغاء الدعم عن المواد الأساسية والتملص من نفقات صندوق المقاصة14؛

يفتح المشروع بابا آخر للتمويل يتمثل في اعتماد نظام للقروض الدراسية قصد متابعة الدراسة العليا وهو فتح لأبواب الربا المحرمة شرعا، وكأن هؤلاء لم يكتفوا بإفساد دنيا المتعلمين حتى أرادوا إفساد آخرتهم أيضا. ولعلي مجانب للصواب في هذا الرأي لأن منظري المشروع لم يخطر ببالهم إقحام أحكام الدين في الشأن التربوي فهذا شأن وذاك شأن؛

تأتي المادة 45 من المشروع لتعلن صراحة، ومن منطلق ما سمته بالإنصاف وتكافؤ الفرص، عن فرض المساهمة في تمويل التعليم العالي ثم في التعليم الثانوي التأهيلي رابطة ذلك بمراعاة اعتبارات تضم التدرج، مستوى الدخل والقدرة على الأداء، الانضباط لشروط ستحدد عبر نص تنظيمي.15 وحتى لا نكرر ما ألمعنا إليه آنفا من كون المستهدف بهذا القرار هم الذين يقصدون التعليم العمومي بمكوناته وأسلاكه المختلفة وهم من الطبقات الفقيرة أساسا التي تحيا وضعية اجتماعية هشة أو ممن يفترض أنهم من "الطبقة الوسطى" التي تعاني استنزافا كبيرا لماليتها، نتساءل كيف يتحقق الإنصاف وتكافؤ الفرص في إجبار طبقات مجتمعية مسحوقة على تحمل نفقات تعليم غير ذي جدوى ولا جودة بسبب السياسات المتتالية للدولة منذ عهود والتي صرفت الملايير (وما ملايير البرنامج الاستعجالي عنا ببعيد!) على مشاريع وبرامج كانت نتائجها بلقعا في مختلف المستويات التدبيرية والبيداغوجية دون أي محاسبة تذكر.

زد إلى هذا أن التمسح بعبارات لينة كالحديث عن إقرار مبدإ المساهمة، ورسوم التسجيل، ومراعاة مستوى الدخل وإعداد نص تنظيمي إن كان ليس بوسعه إخفاء حقيقة حسم الدولة مع مجانية التعليم فهو يمنح مساحة واسعة للمناورة والإلهاء وسط البطء البيروقراطي السائد في تنزيل القوانين التنظيمية وفهمها وتطبيقها؛

سيتم قصر المجانية على التعليم الإلزامي (من سن 4 إلى 15)، وقد وردت عبارة فضفاضة تنص على عدم حرمان أي أحد لأسباب مادية (المادة 43) شريطة استيفاء الكفايات والمكتسبات اللازمة، وهي عبارة تعني حصر المجانية على المتفوقين دون المتوسطين أو الضعفاء وهو حيف يحول دون استدامة التعلم بحسب الطاقة والقدرات، ويقف حجرة عثراء أمام شعارات إعادة التمدرس ومحاربة الهدر المدرسي. ينص المشروع في هذا الصدد على إحداث صندوق خاص لدعم التعليم الإلزامي تعميما وتجويدا يمول من طرف الدولة والشركاء، ولنلحظ أن حتى هذا تريد الدولة أن تتنصل منه بإدخال الشركاء، دون أن ننسى دهاليز مسارات إحداث وصرف الصناديق الخاصة التي لا يعرف أحد عنها إلا الشائعات.

يفتح المشروع من خلال المادة 46 بابا للتمويل الأجنبي تطويرا للتعاون و الشراكة في زعمه (وهو باب لم يكن مقفلا على أي حال) عبر التمويل الدولي، وهو ما يعني استمرار رهن المنظومة لشروط التحكم الدولي للمؤسسات المانحة، ولعل ما توصل به المغرب أخيرا من ملايين الأورو من الوكالة الفرنسية للتنمية يفسر الإقبال الذي لم يكن قد انقطع أصلا على التمكين للفرنسة في مختلف مكونات المنظومة التعليمية المفلسة جملة وتفصيلا؛

لا يتحدث المشروع عن زيادة الإنفاق على مجال البحث العلمي، إنما يورد كلاما عن تعزيز الصندوق الوطني لدعم البحث والتنمية التكنولوجية وعن مراعاة شروط الحكامة في إجراءات الإنفاق على هذا المجال (المادة 47 و48)؛

يدعو المشروع إلى فتح الباب أيضا أمام التعاقد والشراكة مع القطاع الخاص ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي، ووضع أنظمة جبائية تحفيزية من أجل ذلك، وهو أمر يفتل في نهج الدولة في تمكين رقبة التعليم العالي والجامعي وحتى البحث العلمي لقبضة لوبيات التعليم الخصوصي يترجم عن ذلك الترخيص ل 8 مؤسسات للتعليم الجامعي الخاص في تخصصات دقيقة تفرض مبالغ ضخمة قصد الولوج إليها؛

يدعو المشروع إلى إحداث نظام للحسابات الوطنية قصد تقديم كشوفات حسابية دقيقة للإنفاق على المجال، ولو أنا عدنا لتقرير تقييم تطبيق الميثاق الذي أشرنا إليه في بعض الفقرات أعلاه لسجلنا ما وقف عنده المجلس الأعلى من اختلالا متعددة تبرز في: "غياب توفر معطيات شفافة حول صيغ رصد الموارد المالية وحول قواعد التسيير المالي، و غياب جهاز لإعطاء معطيات شفافة حول الموارد والنفقات المالية داخل الأكاديميات، وكذا عدم التوفـر إلا على حساب وطنـي يضم سنة مالية 2003- 2004 لـم يشر إليه إلا في سنة 2006، وكانت الخلاصة المسجلة بصدد تمويل المنظومة خلال فترة التقييم هو وجود فارق هام جدا بين المتوقع والمنجز، أبرز أن الوزارة لم تفلح فـي التأسيس "لحساب التربية" وفي متابعة تجربة 2003- 2004، باعتبارها آلية حسابية ضابطة للتمويل في مجال التربية وهو ما يؤكد وجود هدر مهم يكشف عن الخسائر المالية المسجلة كل سنة"16

قضية القيم:

تشتغل القضية القيمية في المشروع المقدم للتأطير القانوني للمنظومة التربوية المغربية من خلال مفاهيم ضابطة، وأهداف مقصودة، وآليات تنفيذية، على مستوى المفاهيم الضابطة: نجد من المفاهيم القيمية الأساسية المروجة في المشروع ما تدل عليه مصطلحات من قبيل المساواة بين الجنسين، وعدم التمييز على أي أساس كان، وقيم الانفتاح والابتكار، والمواطنة، والقيم الكونية. وربما يكون مفهوم السلوك المدني من المفاهيم الجامعة المؤسسة لمعجم القيم في نظر المشروع إذ يتم تعريفه بالمحددات المتعلقة بالثوابت الدستورية للأمة، وبالقيم الحضارية المنفتحة، وبالهوية المتعددة الروافد وبالمسؤولية، والتسامح، والتضامن، والتعايش، والاجتهاد والمبادرة، واحترام حرية الإبداع والفكر17.

يتم الاستناد في المرجعيات المحددة لهذه القيم على الوثيقة الدستورية، وعلى وثيقتي الميثاق الوطني للتربية والتكوين والرؤية الاستراتيجية، وعلى قيم ومبادئ حقوق الإنسان الكونية في مراعاة للتحولات الكونية في المجال وللاتفاقيات الدولية المصادق عليها. وتحضر عبارة "الدين الإسلامي الحنيف" مجاورة لعبارات الوحدة الوطنية، والملكية الدستورية، والاختيار الديموقراطي باعتبارها محددات مفسرة لمعنى الثوابت الدستورية للأمة.18

وفيما يتعلق بالأهداف المرسومة للمنظومة على المستوى القيمي كما يعرضها المشروع في تجمل في إعداد متعلم متشبث بقيم المواطنة، وقيم المبادرة، وقيم الانفتاح والاندماج، وقيم النبوغ والتميز، واحترام حرية الإبداع والفكر، ومن الوظائف التي وجب على المدرسة أداءها التنشئة الاجتماعية والتربية على قيم المواطنة والانفتاح والتواصل والسلوك المدني، وكذا الاندماج الثقافي والتفاعل الإيجابي مع المحيط.19

أما في جانب الآليات فتم اقتراح وضع " ميثاق المتعلم" يحدد الحقوق والواجبات ويكون موضع تعاقد بين المتعلمين ومختلف المتدخلين في سيرورة العملية التعليمية التربوية.

سنجد تعويما كبيرا لمفهوم القيم وتغييبا لمعنى القيم الإسلامية وأخلاق الدين الإسلامي وارتكانا وتمسحا قويين بالقيم في مرجعياتها العالمية. كما سنجد تغييبا واضحا لإجراءات تقييم القيم في مستواها السلوكي العملي لصالح مركزة البعد المعرفي الذي يحول معنى القيم إلى مجرد معرفة يتم تقويمها كميا إلى جانب المعارف الأخرى في مجال التحصيل الدراسي.

خامسا: خلاصات عامة:

رغم الغموض الذي يمكن أن يجده الباحث المنصف في تحديد وضع الرؤية الاستراتيجية في نسق تاريخ الإصلاحات المتغيرة بالمغرب؛ أهي استنساخ للميثاق أو نسخ له، أو تطوير للبرنامج الاستعجالي أو تجاوز له؟ يأتي مشروع القانون الإطار ليفرض وضعا اعتباريا متقدما لهذه الرؤية يجعلها البوصلة الموجهة الحاكمة لسيرورة المنظومة مؤكدا بذلك السير في النهج نفسه المعتمد في بلورة مختلف وثائق الإصلاح الجديدة والقديمة والذي يتخذ مسارا أضحى جليا: (، صدور تقارير دولية معرية للواقع الكارثي للتعليم، خطاب ملكي مؤنب للحكومة منتقد للوضع التعليمي، مجلس معين وفق معايير ضابطة، لقاءات وجولات تسمى حوارية بأعضاء يتم انتقاؤهم بمعايير ضابطة أيضا، وثائق تنقح يتم المصادقة عليها من المجلس المعين، جهاز حكومي منفذ للتعليمات)؛

سيؤكد المشروع تبوأ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وهو في الأصل مؤسسة استشارية لا غير، مكانة "فوق دستورية" تجعله "المنظر" "المفكر" "المراقب" "المنتقد" بل "المرجع الأسمى" في كل ما يمس شؤون المنظومة التربوية. نتذكر هنا أن الرؤية هي من صياغة المجلس المعين تحت عين النظر السديد للتعليمات السامية، نتذكر جملة الانتقادات التي وجهها المجلس للمشروع في مسودته الأولى لما طلب رئيس الحكومة الرأي الاستشاري للمجلس وهي الانتقادات التي سنجد أن الحكومة ستأخذها بعين الاعتبار، ويمكن أن نضرب لذلك مثلا في سكوت الحكومة في المشروع عن تفصيلها السابق في هيكلة أسلاك التعليم الأصيل الذي لم تشر إليه الرؤية الاستراتيجية في وثيقتها و امتثالها للتنبيه الذي قدم لها بصدد هذا التفصيل بدعوى كون هذا التخصيص سيمس بوحدة مكونات المنظومة (لماذا التعليم الأصيل؟)20. تظهر هذه المكانة الفوق دستورية والتي إنما تعكس هواجس التحكم والضبط في مجموعة كثيرة جدا من الإجراءات التي سيتم إعمالها والتي يفرض فيها المجلس الأعلى من خلال هذا القانون إبداء الرأي قبل تنزيلها، وعبارة إبداء الرأي مفردة مخففة لدلالات الفرض والإجبار والإلزام، من ذلك ضرورة أخذ رأي المجلس في مخطط إعادة هيكلة التعليم العالي، وفي ميثاق المتعلم، وفي نظام التقييم والمصادقة، وفي مجموع الدلائل المرجعية التي تهم البرامج والمناهج، والسياسة اللغوية، ومجال التوجيه والإرشاد والإعلام، وميثاق التعاقد لأخلاقيات المهنة، ودلائل الكفايات والوظائف ، ومعايير الجودة، والتقييم الخارجي للمنظومة؛21

سيبرز في المشروع هاجس التحكم الضبطي عبر فرض الطابع الإلزامي من خلال مدخل التقنين التشريعي الملزم لمختلف المتدخلين، وسيتم تغليف ذلك بدعوى "الإجماع الوطني" المتجلي في "التقاء إرادات مختلف مكونات الأمة حول قضية التعليم"، وكذا بدعوى "التعبئة المجتمعية" و" التقنين التشريعي التنظيمي" اللذين يمثلان الضمانة الأساسية من أجل " تطبيق أمثل" و" استمرارية" تحقيق أهداف الإصلاح ومتطلباته. والحال الذي لا ينكره إلا جاحد أن وهم الإجماع الوطني حول الرؤية الاستراتيجية التي أنتجت في دهاليز النظام بعيدا عن الإشراك الحقيقي لمختلف القوى الحية للمجتمع كوهم الإجماع حول الميثاق وحول الدستور وحول تنزيلهما؛

إن النفس التحكمي التقنيني الذي يضع بيض التعليم كله في سلة القانون ويستند إلى الطوابع التشريعية التنظيمية مرجعية لضمان تطبيق الإصلاح واستمراريته، إن كان يظهر فيه رغبة الدولة في تحقيق ضربة استباقية عبر تسييج التعليم وضبط المشهد التربوي في مختلف مجالاته (وهو المتحكم فيه حقيقة) ضد أي تدخل سياسي لا يرضي توجهات الدولة خاصة بعد صعود نجم تيارات إسلامية في العالم العربي وفي المغرب بعد أحداث الحراك المجتمعي، إن كان يظهر هذا فهو لا يعي أن التقنين والتشريع لا يحقق تطبيقا ولا استمرارية وإلا فأين تطبيق الإصلاحات الماضية على علاتها رغم الترسانات القانونية المنظمة؟ وأين تنزيل الدستور الممنوح على تسلطه وتحكمه؟، بل لا يعي واضعو المشروع أن التعامل مع حقل التربية والتعليم بمستجداته وتطوراته التربوية والمعرفية باعتباره نسقا مغلقا ثابتا جامد يمكن قولبته في إطار قانوني عام أمر متعذر خاصة مع هذا الحرص الشديد على ضبط المنظومة ليس فقط في مستويات السياسة التعليمية المرتبطة بالخيارات الاستراتيجية والأهداف الرئيسية، وإنما في مستويات التنفيذ الإجرائي والبنية الهيكلية وطرائق التمويل والحكامة مع لغة تهديد ووعيد يدعوان إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير تشريعية وتنظيمية وإدارية ومالية لتحقيق الأهداف المرسومة والسهر على تنفيذها22، وهو نهج سبق أن قلنا في شأنه إنه " يرسخ الطابع التقنوي الذي يتم التعامل به مع إصلاح المنظومة، وكأن الإشكال يوجد في التأطير القانوني وفي الهياكل التنظيمية، وكأن التعامل مع الرؤية بمنطق "النص المقدس" و" المرجع الأسمى" هو الحل السحري لتطور المنظومة23.

خاتمة:

لعل ما تقدم به مشروع قانون الإطار من سن لإجراءات متعددة في مستويات مختلفة سوف يعمق أزمة الثقة في المدرسة، ويزيد من النفور العام من التعليم العمومي. ولعل سيطرة الهواجس السياسوية التحكمية، والمسارعة الحثيثة لتحقيق التلمذة النجيبة لمتطلبات الدول المانحة، والتطلع القوي للدولة إلى التخلص من القطاعات الاجتماعية غير المنتجة في نظرها المثقلة لكاهل ميزانيتها في ادعائها، والانخراط غير المشروط للحكام في موجة إعادة بناء العلاقات الدولية وفق مفاهيم العولمة الزاحفة التي ترى في قيم المجتمعات المسلمة المحافظة خطرا على مشاريعها الاستعمارية الجديدة، كلها عوامل تنبئ أن قطاع التعليم والتربية سيعرف مزيدا من الانتكاسات التي ستجعله بعيدا عن تحقيق الشعارات القديمة والجديدة المرفوعة خاصة إن ظلت القوى المجتمعية في البلاد بعيدة عن بناء جبهة قوية للتصدي لمخططات الإجهاز على التعليم الذي يشيد معاني الحرية البانية للفاعلية الإنسانية إرادة، وللنجاعة التربوية تعلمات وكفايات، وللحكامة الرشيدة تدبيرا وتنفيذا.

الهوامش:

1- تنظر المراسلة رقم 0238/د بتاريخ 26/12/2017.

2- المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، رأي في مشرع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، رقم 02/2016، نونبر 2016.

3 – تنظر مذكرة التقديم لمشروع قانون الإطار.

4- المملكة المغربية، المجلس الأعلى للتربية والتكوين و البحث العلمي: من أجل مدرسة الانصاف والجودة والارتقاء: رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030.

5- مشروع قانون الإطار ص 4 .

6- نفسه ص 21 وما بعدها.

7- نفسه ص 23.

8- نفسه ص 8 وما بعدها.

9- نفسه المادة 35 ص 27 و ص 30.

10- يراجع هنا وثيقة " البرنامج الوطني لتقييم مكتسبات تلامذة الجذع المشترك (PNEA) من إعداد الهيئة الوطنية لتقييم المنظومة التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فبراير 2017 الفقرة المخصصة لمميزات المحيط الاجتماعي للتلاميذ.

11- مشروع القانون الإطار ص 12.

12- نفسه، ص 15 وص 16.

13- التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق الوطني للتربة والتكوين 2000-2013. الصادر عن الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، دجنبر 2014، ص 39 وما بعدها.

14- مشروع القانون الإطار، ص 16.

15- نفسه، ص 31.

16- الإصلاح الجديد للتعليم بالمغرب: أية رؤية؟ وأية استراتيجية؟ مصطفى شكٌري، مطبعة القلم، الرباط، ط 1، 2016، ص 120 وما بعدها. وكذا التقرير التحليلي لتطبيق الميثاق الوطني للتربة والتكوين 2000-2013. الصادر عن الهيئة الوطنية لتقييم منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي، التابعة للمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، دجنبر 2014، ص 14 وما بعدها.

17- مشروع القانون الإطار، ص 2، 3، 4، 6 وما بعدها.

18- نفسه ، ص 7 و8 .

19 -نفسه، ص 9.

20- يراجع رأي في مشرع القانون الإطار لإصلاح منظومة التربية والتكوين، رقم 02/2016، نونبر 2016. ص 2 و3 و4 و6 و7.

21- مشروع القانون الإطار، ص 11، 19، 20، 21، 23، 25، 26، 33، 34.

22- نفسه، ص 10.

23 -المنظومة التربوية المغربية في حاضنة الرؤية الاستراتيجية، مصطفى شكٌري، ضمن كتاب" تقرير المغرب في سنة 2016. إصدار المركز المغرب للأبحاث وتحليل السياسات. يونيو 2016. ص 205.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.